فخر الدين الرازي

181

تفسير الرازي

ونهاهم عن بعض ، ثم أمر المسلمين بالبعض ونهاهم عن البعض أتبع ذلك بذكر أحوال الآخرة ، تأكيداً للأمر ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في نصب * ( يوم ) * وجهان الأول : أنه نصب على الظرف ، والتقدير : ولهم عذاب عظيم في هذا اليوم ، وعلى هذا التقدير ففيه فائدتان إحداهما : أن ذلك العذاب في هذا اليوم ، والأخرى أن من حكم هذا اليوم أن تبيض فيه وجوه وتسود وجوه والثاني : أنه منصوب بإضمار ( أذكر ) . المسألة الثانية : هذه الآية لها نظائر منها قوله تعالى : * ( ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة ) * ( الزمر : 60 ) ومنها قوله * ( ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة ) * ( يونس : 26 ) ومنها قوله * ( وجوه يومئذ مُسفره * ضاحكة مستبشرة * ووجوه يومئذ عليها غبرة * ترهقها قترة ) * ( عبس : 38 - 41 ) ومنها قوله * ( وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة * ووجوه يومئذ باسرة * تظن أن يفعل بها فاقرة ) * ( القيامة : 22 - 25 ) ومنها قوله * ( تعرف في وجوههم نضرة النعيم ) * ( المطففين : 24 ) ومنها قوله * ( يعرف المجرمون بسيماهم ) * ( الرحمن : 41 ) . إذا عرفت هذا فنقول : في هذا البياض والسواد والغبرة والقترة والنضرة للمفسرين قولان أحدهما : أن البياض مجاز عن الفرح والسرور ، والسواد عن الغم ، وهذا مجاز مستعمل ، قال تعالى : * ( وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم ) * ( النحل : 58 ) ويقال : لفلان عندي يد بيضاء ، أي جلية سارة ، ولما سلم الحسن بن علي رضي الله عنه الأمر لمعاوية قال له بعضهم : يا مسود وجوه المؤمنين ، ولبعضهم في الشيب . يا بياض القرون سودت وجهي * عند بيض الوجوه سود القرون فلعمري لأخفينك جهدي * عن عياني وعن عيان العيون بسواد فيه بياض لوجهي * وسواد لوجهك الملعون وتقول العرب لمن نال بغيته وفاز بمطلوبه : ابيض وجهه ومعناه الاستبشار والتهلل وعند التهنئة بالسرور يقولون : الحمد لله الذي بيض وجهك ، ويقال لمن وصل إليه مكروه : إربد وجهه واغبر لونه وتبدلت صورته ، فعلى هذا معنى الآية أن المؤمن يرد يوم القيامة على ما قدمت يداه فإن كان ذلك من الحسنات ابيض وجهه بمعنى استبشر بنعم الله وفضله ، وعلى ضد ذلك إذا رأى الكافر أعماله القبيحة محصاة اسود وجهه بمعنى شدة الحزن والغم وهذا قول أبي مسلم الأصفهاني . والقول الثاني : إن هذا البياض والسواد يحصلان في وجوه المؤمنين والكافرين ، وذلك لأن اللفظ حقيقة فيهما ، ولا دليل يوجب ترك الحقيقة ، فوجب المصير إليه ، قلت : ولأبي مسلم أن